ابن كثير

194

تفسير القرآن العظيم ( تفسير ابن كثير ) ( بيروت )

وقال الإمام أحمد « 1 » : حدثنا يحيى بن آدم ، أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق عن أبي الخليل عن علي رضي اللّه عنه قال : سمعت رجلا يستغفر لأبويه وهما مشركان ، فقلت : أيستغفر الرجل لأبويه وهما مشركان ؟ فقال : أو لم يستغفر إبراهيم لأبيه ؟ فذكرت ذلك للنبي صلى اللّه عليه وسلم فنزلت ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ الآية ، قال لما مات فلا أدري ، قاله سفيان أو قاله إسرائيل أو هو في الحديث لما مات ، ( قلت ) : هذا ثابت عن مجاهد أنه قال لما مات . وقال الإمام أحمد « 2 » : حدثنا الحسن بن موسى ، حدثنا زهير ، حدثنا زبيد بن الحارث اليامي عن محارب بن دثار عن ابن بريدة عن أبيه قال كنا مع النبي صلى اللّه عليه وسلم ونحن في سفر ، فنزل بنا ونحن قريب من ألف راكب ، فصلى ركعتين ثم أقبل علينا بوجهه وعيناه تذرفان ، فقام إليه عمر بن الخطاب وفداه بالأب والأم وقال : يا رسول اللّه ما لك ؟ قال « إني سألت ربي عز وجل في الاستغفار لأمي فلم يأذن لي فدمعت عيناي رحمة لها من النار ، وإني كنت نهيتكم عن ثلاث : نهيتكم عن زيارة القبور فزوروها لتذكركم زيارتها خيرا . ونهيتكم عن لحوم الأضاحي بعد ثلاث فكلوا وأمسكوا ما شئتم ، ونهيتكم عن الأشربة في الأوعية فاشربوا في أي وعاء شئتم ولا تشربوا مسكرا » . وروى ابن جرير « 3 » من حديث علقمة بن مرثد عن سليمان بن بريدة عن أبيه أن النبي صلى اللّه عليه وسلم لما قدم مكة ، أتى رسم قبر فجلس إليه فجعل يخاطب ثم قام مستعبرا ، فقلنا يا رسول اللّه إنا رأينا ما صنعت . قال : « إني استأذنت ربي في زيارة قبر أمي فأذن لي واستأذنته في الاستغفار لها فلم يأذن لي » فما رئي باكيا أكثر من يومئذ . وقال ابن أبي حاتم في تفسيره : حدثنا أبي ، حدثنا خالد بن خداش ، حدثنا عبد اللّه بن وهب عن ابن جريج عن أيوب بن هانئ عن مسروق عن عبد اللّه بن مسعود ، قال : خرج رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم يوما إلى المقابر فاتبعناه فجاء حتى جلس إلى قبر منها ، فناجاه طويلا ثم بكى فب‌كينا لبكائه ، ثم قام فقام إليه عمر بن الخطاب فدعاه ثم دعانا ، فقال « ما أبكاكم ؟ » فقلنا بكينا لبكائك . قال : « إن القبر الذي جلست عنده قبر آمنة ، وإني استأذنت ربي في زيارتها فأذن لي » « 4 » ثم أورده من وجه آخر ، ثم ذكر من حديث ابن مسعود قريبا منه ، وفيه « وإني استأذنت ربي في الدعاء لها فلم يأذن لي وأنزل علي ما كانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ آمَنُوا الآية ، فأخذني ما يأخذ الولد للوالد ، وكنت نهيتكم عن زيارة القبور ، فزوروها فإنها تذكر الآخرة » .

--> ( 1 ) المسند 1 / 99 . ( 2 ) المسند 5 / 355 . ( 3 ) تفسير الطبري 6 / 489 . ( 4 ) أخرجه السيوطي في الدر المنثور 3 / 507 .